نخبة من الأكاديميين

477

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

النقي والحقيقي في تلك العروق التي أصابت الإحن التاريخية بعضها بالانسداد أو التصلب . وبذلك تستوي عملية الإنقاذ الفقهي في مسارها الطبيعي ، ما سيكون له أعمق الأثر في الارتقاء بموقع الإسلام والمسلمين إلى مستوى أفضل ، وإلى اجتماع تقاربي أكثر تماسكاً وأوثق رسوخاً بعد كل هذا التجافي والتنائي المحتقنين اللذين نشهد بعض فواجعهما في الكثير من أقطار العالم الإسلامي يخشى من تمدد ابتلاءاتهما إلى مجتمعات أخرى . إن عملية الإنقاذ الفقهي هذه بمفاعيلها التطهيرية والتأسيسية والإحيائية ، وهي تخطو نحو إعادة تأهيل التعاطي الديني بحياة المسلمين المعاصرة كما بحياة غير المسلمين في عصر الثورة الرقمية والفضائيات ومقاربتها بمنهجية مختلفة وأكثر تطوراً ودينامية هذه العملية ، من شأنها أن تجعل الفقه الحداثوي بالنمط المنوه به أكثر تفاعلًا وتفهماً لظروف وحاجات الأقليات المسلمة في غير ديار المسلمين ، ومن شأنها أيضاً أن تجعل إيمانهم الديني أعمق وثقتهم بما يؤمنون به أقوى وأشد . وإنَّ ذلك لذو فضل عظيم على تسهيل سبل ممارسة العبادات الناشئة عن هذا الإيمان والعمل بموجب شريعته وقوانينه . فما أريد للإسلام إلا أن يكون دين اليسرة والمرونة والتكيف الذكي مع تغيرات وتحولات الأزمنة والأمكنة والصيرورة البشرية من غير ما انتقاص من تكليفاته أو افتئات على حلاله وحرامه ، أو إفراط أو تفريط فيهما . ومن هذا الباب تدلف الدعوة المستحقة لما يسمى ب - « فقه الهجرة » الذي كنا قد نوهنا بإيجابياته سابقاً ، إذا قيض له أن يشق طريقه إلى الظهور والتبلور والنجاح في التعاطي بالحاجات والقضايا الخاصة بمجتمعات الهجرة ، على أن ينأى عن التناقضات في استنباط الأحكام والفتيا ، فلا يحلل فقيه في الأساسيات والأصول ، كما الفروع منها ، ما يحرمه فقيه آخر فيصيب المهاجرين المسلمين من اضطرابه وتعارضه ما أصاب مسلمي الأندلس بعد استردادها من قبل جيوش الاسترداد النصرانية ، إذْ أفتى بعض فقهاء ذلك الزمان بخروج من تبقى منهم إلى بلاد المسلمين حتى لا يخضعوا لسلطان إسباني غير مسلم ، بينما أفتى فقهاء آخرون ببقائهم في بلادهم ( الأندلس ) . . فكان لهذا التناقض أسوأ الأثر على مستقبل الوجود الإسلامي في ذلك الفردوس المفقود الذي ما عاد « مفقوداً » . ثالثاً - أما الإنتفاضة الثالثة : فهي انتفاضة سياسية ، إذ لا يمكن لأزمة الهوية الثقافية التي يعاني منها المسلمون في شتى بقاع الدنيا ، إلا أن تنتج تعدداً في قراءاتهم للمشروع الحضاري الإسلامي وللدور السياسي والاتنهاضي للدين الإسلامي الذي بات حاضراً موضوعياً وبقوة في الساحتين الإسلامية والدولية كخيار إيديولوجي وسياسي تغييري واستراتيجي ، بعدما تراجع أو انحسر دور الخيارات الإيديولوجية والحضارية الأخرى التي كانت سائدة في مراحل التحرر الوطني من الوجود الاستعماري . ولات هذا التعدد ظل في إطار التنوع الصحي الإحيائي الذي حفلت به المجتمعات الإسلامية في بعض المراحل النهضوية ، لكنه في واقع الحال تحول إلى مفاعل تناحري بعدما تم حرفُه والدفع به إلى درك التنازع